بورسعيد الباسلة: قصة تأسيس 1859 والأمجاد التي لا تُنسى في العدوان الثلاثي
التعليم والأسرة

بورسعيد الباسلة: قصة تأسيس 1859 والأمجاد التي لا تُنسى في العدوان الثلاثي

مقدمة: بورسعيد.. مدينة التاريخ والبطولة على ضفاف الملاحات

تعتبر مدينة بورسعيد المصرية واحدة من أكثر المدن فرادةً وسحراً في العالم، فهي ليست مجرد بقعة جغرافية على خريطة مصر، بل هي أيقونة تاريخية تجسد روح الصمود والتخطيط العمراني الفريد. تأسست هذه المدينة الباسلة في عام 1859، لتكون شاهداً حياً على ملحمة حفر قناة السويس، ودرعاً حصيناً لـ مصر في أوقات المحن، وأبرزها ملحمة العدوان الثلاثي عام 1956. في هذا المقال، سنأخذكم في رحلة شيقة عبر الزمن لنكتشف سر التخطيط الأوروبي الفريد لبورسعيد، وكيف كتب أبناؤها بدمائهم أسطورة الصمود الخالدة.

قصة تأسيس بورسعيد 1859: من رمال صحراوية إلى جوهرة بحرية

في يوم الإثنين الموافق 25 أبريل 1859، أعطى المهندس الفرنسي فرديناند ديليسبس إشارة البدء لحفر قناة السويس من نقطة تقاطع البحر الأبيض المتوسط بالبحيرات المرة، حيث وُلدت مدينة بورسعيد. في البداية، كانت المدينة عبارة عن شريط ضيق من الرمال المتحركة والمستنقعات، لا يسكنها سوى عدد قحديد من الصيادين. لكن الحاجة الملحة لوجود قاعدة إدارية وسكنية للعمال والمهندسين العاملين في المشروع العظيم حتمت بناء هذه المدينة.

أُطلق على المدينة اسم "بورسعيد"، وهو اسم مركب من كلمتين: الأولى "بور" (Port) وتعني ميناء باللغة الإنجليزية، والثانية "سعيد" تشريفاً للخديوي سعيد باشا، والي مصر في ذلك الحين والذي منح امتياز حفر القناة. ومع تدفق آلاف العمال والمصريين والأجانب، بدأت المدينة تتحول بسرعة مذهلة إلى مركز تجاري وبحري هام يعج بالحياة والحركة.

التخطيط الأوروبي الفريد: هندسة معمارية تسبق عصرها

ما يميز بورسعيد حقاً منذ نشأتها هو تخطيطها العمراني المبتكر. فقد وُضعت تصاميم المدينة على يد مهندسين أوروبيين بارزين اتبعوا نمطاً هندسياً فريداً لم يكن مألوفاً في الشرق الأوسط في ذلك الوقت. تميزت الشوارع بأنها متعامدة ومتقاطعة بانتظام دقيق، مما يضمن تدفق الهواء النقي من البحر صيفاً وشتاءً، ويمنع تكدس المياه.

  • الشارع التجاري (شارع تونس لاحقاً): كان محاور رئيسياً للتجارة العالمية.
  • المباني الخشبية ذات الشرفات الواسعة: استوحي طرازها المعماري من العمارة الأوروبية الكلاسيكية، وتحديداً الفرانكوفونية واليونانية.
  • التقسيم الإداري: قُسمت المدينة إلى قطاعات سكنية مخصصة للعمال وأخرى للمهندسين والإداريين الأجانب، مع تخصيص مساحات واسعة للميناء والمخازن.

هذا التراث المعماري الفريد ما زال يزين حتى اليوم أحياء بورسعيد القديمة، مثل حي الشرق، حيث تطل البيوت التاريخية بشرفاتها الخشبية المزخرفة لتخبر الزائرين بقصة مدينة كانت يوماً نافذة مصر الحضارية على العالم.

دور بورسعيد البطولي في العدوان الثلاثي 1956

إذا كان التأسيس هو قصة الإرادة البشرية في قهر الطبيعة، فإن العدوان الثلاثي عام 1956 هو قصة إرادة المصريين في قهر أعتى الإمبراطوريات. عندما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس في يوليو 1956، تحالفت ثلاث قوى عظمى (بريطانيا، فرنسا، وإسرائيل) لغزو مصر، وكانت بورسعيد هي رأس الحربة ونقطة الإنزال الرئيسية للقوات الغازية.

ظن الغزاة أن بورسعيد ستسقط خلال ساعات معدودة بفضل القصف الجوي والبحري العنيف، لكنهم واجهوا مقاومة شعبية وعسكرية أذهلت العالم. تكاتف الجيش المصري البطل مع الفدائيين وأبناء المدينة الأبطال في مع ملحمية لا تُنسى.

أبرز رموز المقاومة الشعبية في بورسعيد:

  • الشيخ مظهر وكفاحه: رمز من رموز المقاومة الذي حشد الشباب ووزع السلاح.
  • بطولات الفدائيين: مثل السيد متولي ومحمد مهران، اللذان أذاقا قوات الاحتلال الويلات بعملياتهم الفدائية الجريئة.
  • صمود النساء والأطفال: لم تقتصر المقاومة على الرجال، بل شاركت المرأة البورسعيدية في تموين المجاهدين وتضميد الجراح ونقل الذخيرة تحت قصف النيران.

لقد تجلت أسمى معاني التضحية حين تحولت كل زاوية في الشوارع إلى خط دفاع، وكل منزل إلى قلعة مقاومة. وأمام صمود بورسعيد الأسطوري، فشلت خطط العدوان، واضطرت القوات المعتدية إلى الانسحاب الخزي، ليُعلن في الحادي عشر من ديسمبر يومًا قومياً للمحافظة، احتفاءً بـ عيد النصر.

خاتمة ودعوة للتفاعل

إن بورسعيد ليست مجرد نقطة على خريطة التجارة العالمية، بل هي رمز خالد للكرامة المصرية والعربية. من رمال صحراوية إلى مدينة أوروبية متطورة في 1859، إلى حصن منيع في 1956، تثبت بورسعيد دائماً أن الأوطان تُبنى بالعرق وتُحمى بالدماء. يتعين علينا اليوم غرس هذه القيم العريقة في نفوس أبنائنا من خلال دراسة تاريخنا الوطني المشرف.

عزيزي القارئ، ما هي أبرز الأماكن التراثية أو الشخصيات التاريخية التي تعرفها عن مدينة بورسعيد الباسلة؟ شاركنا برأيك في التعليقات، ولا تنسَ مشاركة المقال لتعم الفائدة ويعلم الجميع قصة أبطالنا الخالدين!