رحلة في سراديب مسرح العبث: كيف صور صمويل بيكيت ويوجين يونسكو لا معقولية الوجود الإنساني؟
فنون

رحلة في سراديب مسرح العبث: كيف صور صمويل بيكيت ويوجين يونسكو لا معقولية الوجود الإنساني؟

مقدمة في سراديب اللامعقول: عندما تفقد الحياة بوصلتها

يا سيدي القارئ، هل سألت نفسك يوماً وأنت جالس على قهوة وسط البلد، أو مركون في زحمة المترو: "إحنا بنعمل إيه هنا أصلاً؟" هذا السؤال الوجودي البحت، والذي قد يبدو للوهلة الأولى كفلسفة عالية، هو في الحقيقة النواة الصلبة لما يُعرف بـ "مسرح العبث". هذا التيار الفني والفلسفي الذي ضرب جذور المسرح العالمي في منتصف القرن العشرين، لم يكن مجرد صرخة غضب ضد التقليدية، بل كان مرآة صادقة لواقع إنساني تهشّم على صخرة الحربين العالميتين، والعبثية المطلقة التي وجد البشر أنفسهم غرقى فيها.

في عالمنا العربي والمصري تحديداً، عشنا ونعيش طقوساً تقترب كثيراً من هذا اللامعقول؛ فحين تجد شاباً يدرس طوال سنوات عمره ليحصل على شهادة يعلقها على الحائط ويعمل في توصيل الطلبات، أو حين ترى موظفاً يعيد نفس الدورة الورقية كل صباح لسنوات دون جدوى، فأنت لست بعيداً عن عوالم صمويل بيكيت أو يوجين يونسكو. دعونا نأخذكم في جولة ممتعة وعميقة لنغوص في عقول هؤلاء العباقرة ونفهم كيف عبروا عن تيه الإنسان المعاصر.

ما هو مسرح العبث؟ جذور الفوضى المنظمة

ظهر مصطلح مسرح العبث (Theatre of the Absurd) على يد الناقد المسرحي مارتن إيسلين في ستينيات القرن الماضي، ليشير إلى أعمال مجموعة من الكتاب الذين رأوا أن الحياة الإنسانية بلا هدف ولا معنى، وأن محاولة إيجاد نظام في هذا الكون الفوضوي هي محاولة عبثية بامتياز. استلهم هؤلاء الكُتّاب أفكارهم من فلسفة "ألبير كامو" ومفهومه عن "أسطورة سيزيف"، حيث الإنسان يحمل صخرة الصعود إلى قمة الجبل لتتدحرج قاعاً، وعليه أن يكرر الفعل الأبدي بلا أمل وبلا جدوى.

أهم سمات مسرح العبث:

  • غياب الحبكة التقليدية: لا توجد بداية ووسط ونهاية واضحة؛ الأحداث تدور في حلقات مفرغة.
  • انهيار اللغة: تصبح الكلمات عاجزة عن التواصل، وتتحول الحوارات إلى دبلجة من العبث والعبارات المكررة.
  • العبث الوجودي: الشخصيات تجد نفسها محاصرة في أماكن مغلقة أو جرداء، تتساءل عن أسئلة كبرى بلا إجابات.
  • الكوميديا السوداء: دمج الضحك بالبكاء، والسخرية المرة بالأسى الإنساني العميق.

صمويل بيكيت وانتظار غودو: صرخة الصمت في وجه الفراغ

إذا ذكرنا مسرح العبث، قفز إلى الأذهان فوراً اسم الأيرلندي صمويل بيكيت وأيقونته الخالدة "في انتظار غودو" (Waiting for Godot). العمل باختصار شديد (الذي يعكس تعقيد الحياة): رجلان، استراجون وبلاديمير، يقفان بجوار شجرة جرداء، ينتظران شخصاً يدعى "غودو". لا غودو يأتي، ولا هما يرحلان. يتحدثان في تفاهات، يتشاجران، يفكران في الانتحار، والوقت يمر ببطء قاتل.

هذا الانتظار الأبدي لـ "غودو" (الذي لا نعرف من هو، ولا يأتي أبداً) يمثل حالة الإنسان المصري والعربي اليوم وهو ينتظر "الفرج"، أو "التحسن الاقتصادي", أو "الظروف الأفضل" التي قد لا تأتي أبداً. بيكيت في هذا العمل العبقري لم يقدم حكاية، بل قدم حالة شعورية خالصة، جعلت المتفرج يشعر بملل الانتظار وقسوة الفراغ، لدرجة أن الكاتب المسرحي الشهير أَنوي وصف المسرحية بأنها "عرض لحدث لا شيء يحدث فيه، مرتين!".

يوجين يونسكو ومهزلة الكراسي والمغنية الكرهاء

على الجانب الآخر، يأتي الفرنسي من أصل روماني يوجين يونسكو ليأخذنا إلى منطقة أخرى من العبث؛ منطقة "الهراء المتصاعد". في مسرحيته الشهيرة "المغنية الكرهاء" أو "الدرس"، يتعامل يونسكو مع اللغة ذاتها كعدو للإنسان. تتحول الكلمات في مسرحياته إلى فقاعات صابون تفقد معناه تدريجياً حتى تصبح صرخات بلا طائل.

أما في مسرحية "الكراسي"، فيرسم يونسكو لوحة سوداوية لزوجين عجوزين يعيشان في برج عالي، ويقيمان حفلة وهمية لمدعوين لا يراهم أحد، حيث تتكاثر الكراسي الفارغة على المسرح لتمتلئ بالحضور غير المرئيين، قبل أن يلقي العجوزان خطبة الختام وينتحرا! يونسكو يخبرنا هنا ببراعة أن حياتنا قد تكون مجرد حشد من الفراغات، وأننا نحاط بالأوهام طوال الوقت لنخفي حقيقة وحدتنا المطلقة.

العبث في واقعنا العربي والمصري: مسرحية مستمرة

قد يسأل البعض: وما علاقتنا نحن بكل هذه الفلسفات الغربية؟ الحقيقة أن الشارع المصري والعربي يزخر بمفارقات عبدة شيطانية تقترب من مسرح بيكيت ويونسكو. حين نرى طوابير الخبز، أو صراعات السشويس في وسائل التواصل الاجتماعي حول قضايا تافهة بينما القضايا الكبرى تشتعل، وحين يرتجل المواطن المصري "نكتة" ساخرة في قلب الأزمات الاقتصادية، فهو يمارس بطريقته الخاصة نوعاً من أنواع مسرح العبث الشعبي.

السخرية المصرية اللاذعة (الكوميديا السوداء) هي السلاح الأبدي في وجه لا معقولية الواقع. نحن ننتظر غودو الخاص بنا كل أول شهر، ونردد جمل يونسكو الببغائية في مكاتب البيروقراطية دون أن ندري من أين تبدأ الحكاية وأين تنتهي. لقد أصبح مسرح العبث جزءاً من يومياتنا، وربما لهذا السبب تحظى هذه الأعمال بتقدير خاص لدى المثقفين والمهتمين بالفنون في عالمنا العربي.

خاتمة ودعوة للتفاعل

في الختام، لم يكن مسرح العبث عند صمويل بيكيت ويوجين يونسكو دعوة لليأس أو الاستسلام، بل كان على العكس تماماً؛ كان صرخة إيقاظ لكي يواجه الإنسان حقيقته بشجاعة، ويكتشف معنى وجوده من داخل العدم ذاته. حين ندرك أن الحياة بلا معنى جاهز، يصبح بمقدورنا نحن أن نصنع هذا المعنى بأيدينا، وأن نبتسم في وجه العبث بدلاً من أن نستسلم له.

عزيزي القارئ، والآن دورك لمشاركتنا الرأي: هل شعرت يوماً أن حياتك اليومية تشبه مسرحية لـ "صمويل بيكيت" وأنت تنتظر شيئاً لا يأتي؟ وكيف تواجه "لا معقولية" الضغوط اليومية؟ شاركنا برأيك في التعليقات، ولا تنسَ مشاركة المقال لتعم الفائدة!

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك