صانعة الملوك وعاصمة النهضة المصرية القديمة: أسرار وحكايا مدينة «سايس» المنسية في الغربية
فنون

صانعة الملوك وعاصمة النهضة المصرية القديمة: أسرار وحكايا مدينة «سايس» المنسية في الغربية

تحت ظلال أشجار النخيل المنبسطة في قلب دلتا النيل، وتحديداً في مركز بسيون بمحافظة الغربية، ترقد قرية هادئة تبدو للوهلة الأولى كأي قرية ريفية مصرية معاصرة. لكن تحت هذا الثرى الطيب، تنام أسرار واحدة من أعظم عواصم العالم القديم، مدينة صا الحجر، أو كما عرفها أجدادنا الفراعنة باسم «سايس» (Sais). هذه المدينة لم تكن مجرد تجمع سكني عابر، بل كانت مركزاً للكون في عيون أجدادنا، وعاصمة للأسرة السادسة والعشرين، وموطناً لعصر النهضة الفرعونية الأخير، ومقر عبادة الإلهة الغامضة «نيث» ربة الحرب والنسيج والخلق.

في هذا المقال الشامل، سنأخذكم في رحلة مشوقة عبر الزمن، نستنشق فيها عبير التاريخ، ونستعرض عظمة الفن والسياسة والحضارة التي انطلقت من قلب محافظة الغربية لتنير العالم القديم بأسره.

من «صا الحجر» إلى «سايس»: رحلة عبر الزمن في قلب الدلتا

كانت «سايس» تُعرف في النصوص المصرية القديمة باسم «زاو» (Zau)، وتحولت في العصر اليوناني إلى «سايس»، لتستقر اليوم في الوجدان الشعبي المصري تحت اسم «صا الحجر». ويعود هذا الاسم الأخير إلى كثرة الأحجار الأثرية الضخمة التي كانت مبعثرة في أرجائها نتيجة تهدم معابدها الشاهقة وقصورها الملكية على مر العصور.

تقع المدينة على الفرع الكانوي القديم للنيل (فرع رشيد حالياً)، وهو موقع استراتيجي عبقري سمح لها بأن تكون بوابة مصر الغربية وحصنها المنيع ضد الهجمات الخارجية، فضلاً عن كونها شرياناً تجارياً يربط مصر بيونان وجزر بحر إيجة، مما جعلها منارة اقتصادية وفنية فريدة في الدلتا.

عاصمة الأسرة الـ 26: عصر النهضة الفرعونية الأخير

بعد فترات من الاضطراب والاحتلال الآشوري، نهضت مصر من كبوتها في القرن السابع قبل الميلاد على يد ملوك الأسرة السادسة والعشرين (664 - 525 ق.م)، وهو العصر الذهبي الذي يُعرف تاريخياً باسم «عصر النهضة الصاوية» نسبة إلى مدينة سايس العاصمة الشامخة لملوك ذلك العصر.

تميز هذا العصر بمحاولة ملوك سايس، وعلى رأسهم الملك العظيم إبسماتيك الأول وابنه نخاو الثاني، إحياء مجد مصر القديم. ولم يكن هذا الإحياء عسكرياً وسياسياً فحسب، بل كان نهضة فنية وثقافية واقتصادية متكاملة الأركان:

  • العودة إلى الجذور الفنية: شهد الفن الصاوي محاكاة دقيقة ومذهلة لفنون الدولة القديمة (عصر بناة الأهرام). حيث أبدع الفنانون في نحت تماثيل من الحجر الصلب مثل البازلت والشست، بدقة متناهية وتشريح جسدي دقيق تفوق في بعض الأحيان على الفنون القديمة ذاتها.
  • الانفتاح التجاري والثقافي: سمحت سايس لليونانيين بتأسيس مدينة تجارية خاصة بهم بالقرب منها وهي مدينة «نقراطيس»، مما خلق مزيجاً ثقافياً وفنياً وتبادلاً فكرياً فريداً من نوعه.
  • مشروعات عملاقة عابرة للحدود: في هذا العصر، حاول الملك نخاو الثاني حفر قناة تربط بين النيل والبحر الأحمر (سلف قناة السويس)، وأرسل بعثة من البحارة الفينيقيين للدوران حول أفريقيا في رحلة استكشافية تاريخية غير مسبوقة استمرت لثلاث سنوات.

الإلهة «نيث» ربة الحرب والنسيج: روح سايس المقدسة

لا يمكن الحديث عن سايس دون الوقوف إجلالاً أمام محراب معبودتها الكبرى، الإلهة «نيث» (أو نت). كانت نيث واحدة من أقدم وأقوى الإلهات في الميثولوجيا المصرية القديمة، وتُصور عادة كامرأة ممشوقة ترتدي التاج الأحمر للدلتا، وتحمل في يدها القوس والسهام، أو رمز نسيج المغزل.

تميزت عبادة نيث في سايس بأبعاد لاهوتية وفلسفية عميقة عكست دقة الفكر الفني والديني لدى أهالي المدينة:

  • ربة الخلق الأولى: اعتقد كهنة سايس أن نيث هي الكائن الأول الذي خلق الكون بنسيجها السحري، وأنها أم الشمس «رع»، ووصفوها بأنها «التي كانت، والتي ستكون، والتي لم يكشف أحد طرحتها».
  • مقر الحكمة والأسرار: كان معبدها في سايس، المعروف باسم «بيت العسل»، مركزاً علمياً وثقافياً كبيراً ضم مكتبة ضخمة ومدرسة رائدة للطب والكهانة والعلوم الفلكية.
  • عيد المصابيح المضيئة: وصف المؤرخ اليوناني هيرودوت الاحتفالات المبهرة التي كانت تقام في سايس تكريماً لنيث، حيث كان الناس يوقدون آلاف المصابيح الزيتية الممزوجة بالملح حول بيوتهم وفي شوارع المدينة، في مشهد ساحر يربط الأرض بالسماء ويحول الليل إلى نهار مشرق.

فنانو سايس: مدارس النحت وبراعة الصنعة الفنية

على الرغم من أن الجزء الأكبر من مباني سايس الأثرية قد دمر أو استخدم كحجارة لبناء مدن أخرى في العصور الوسطى، إلا أن التماثيل والقطع الفنية التي عثر عليها المنقبون في الموقع تكشف عن عبقرية لا مثيل لها لفناني مدرسة سايس الفنية.

تميز الفن الصاوي بالنعومة الفائقة لأسطح التماثيل، والاهتمام بإبراز الملامح الواقعية والابتسامة الهادئة (التي تسمى أحياناً الابتسامة الصاوية) على وجوه الملوك والكهنة، بأسلوب واقعي يمتزج بالوقار والقداسة الفرعونية التقليدية. التماثيل البازلتية الخضراء والسوداء التي خرجت من ورش سايس تزين اليوم أكبر متاحف العالم مثل متحف اللوفر في باريس ومتحف تورين في إيطاليا والمتحف المصري بالتحرير.

سايس كمنارة علمية ألهمت فلاسفة اليونان وقصة أتلانتس

لم تكن سايس عاصمة سياسية فحسب، بل كانت جامعة علمية كبرى قصدها فلاسفة وحكماء الإغريق لطلب العلم والمعرفة والارتواء من نبع الحضارة المصرية. زارها المشرع اليوناني الشهير سولون، والفيلسوف العظيم أفلاطون، والرحالة والمؤرخ هيرودوت.

وفي حوارات أفلاطون الشهيرة (تيميوس وكريتياس)، يذكر أن كهنة معبد نيث في سايس هم من كشفوا لسولون عن قصة قارة «أتلانتس» المفقودة وعن الأمم والحضارات العظيمة التي دمرتها الكوارث الطبيعية قبل آلاف السنين، مؤكدين له عبارته الشهيرة: «يا سولون، إنكم معشر اليونانيين ما زلتم أطفالاً، ولا يوجد بينكم شيخ واحد هرم!»، في إشارة إلى عمق وعمر الحضارة المصرية مقارنة بيونان.

أين ذهبت عظمة سايس اليوم؟

من المؤسف أن الزائر لقرية «صا الحجر» اليوم قد لا يرى معابد نيث الشاهقة أو مسلات ملوك الأسرة 26 شاهقة الارتفاع. فقد تعرضت المدينة لعمليات نقل وتفكيك واسعة على مر العصور، حيث استخدمت أحجارها في بناء المدن المجاورة كالإسكندرية والقاهرة في العصور الإسلامية والمسيحية.

ومع ذلك، فإن البعثات الأثرية المشتركة (المصرية والأجنبية) لا تزال تكتشف كل يوم أسراراً جديدة تحت الطمي والتربة الزراعية الخصبة للدلتا، تؤكد أن باطن الأرض في محافظة الغربية لا يزال يزخر بكنوز فنية وأثرية لم تروِ قصتها كاملة بعد.

خاتمة ودعوة للتفاعل

تظل مدينة سايس (صا الحجر) رمزاً شاهقاً لقدرة الإنسان المصري على الانبعاث والنهوض من جديد وإحياء أمجاده الفنية والثقافية. فكما قادت هذه المدينة حركة «النهضة الصاوية» لتعيد لمصر هيبتها وفنها الأصيل، فإنها تذكرنا دوماً بأن عمقنا الحضاري يمتد في كل قرية ومدينة مصرية.

والآن، شاركونا آراءكم في التعليقات: هل كنتم تعرفون أن محافظة الغربية كانت تضم يوماً ما عاصمة مصر العظمى وقبلة حكماء اليونان؟ وهل زرتم «صا الحجر» من قبل؟ لا تنسوا مشاركة المقال مع أصدقائكم لنسلط الضوء معاً على تاريخنا المنسي وفنوننا الخالدة!